إجابة سريعة: ما هو يوم التروية ومتى يكون؟
يوم التروية هو الثامن من شهر ذي الحجة، وهو اليوم الذي تبدأ فيه مناسك الحج فعلياً حين يُحرم الحجاج بالحج ويتوجهون إلى منى. ويوافق في 1448 وفق التقدير الفلكي يوم الجمعة 14 مايو 2027، فيسبق يوم عرفة (السبت 15 مايو) بيوم، ويسبق عيد الأضحى (الأحد 16 مايو) بيومين. هذا التاريخ تقديري قابل للتقدّم أو التأخّر يوماً واحداً بحسب ثبوت رؤية هلال شهر ذي الحجة الذي تعتمده المملكة العربية السعودية.
سُمي يوم التروية بهذا الاسم لأن الحجاج كانوا قديماً يتروّون فيه من الماء، أي يشربون ويحملون معهم ما يكفيهم استعداداً للوقوف الطويل بعرفة، قبل أن تتوافر المياه في المشاعر كما هي اليوم. وهو اليوم الأول من أيام الحج العملية، إذ تبدأ به سلسلة المناسك التي تتوالى: التروية ثم عرفة ثم المزدلفة ثم النحر ثم أيام التشريق.
هذا الدليل المرجعي يشرح يوم التروية تفصيلاً: معناه وسبب تسميته، وموقعه في تسلسل مناسك الحج، وأعمال الحاج فيه بالترتيب، وفضله، وحكم صيامه لغير الحاج، ونصائح عملية للحجاج. كل ما هنا مبني على هدي النبي صلى الله عليه وسلم في حجته كما رواه الصحابة، وعلى ما عليه جمهور العلماء، دون افتراض أحكام أو تواريخ غير ثابتة. ولفهم تسلسل المناسك كاملاً راجع دليل مناسك الحج خطوة بخطوة، ولمعرفة كم باقياً على الموسم اعتمد على عداد عيد الأضحى التنازلي المتزامن مع التقويم المعتمد. وإن كنت تخطط للحج هذا العام فاستعن بـحاسبة تكلفة الحج لتقدير ميزانيتك مبكراً.
لماذا سُمي يوم التروية وما معناه اللغوي؟
للتسمية بيوم التروية أسباب ذكرها العلماء، وفهمها يعمّق ارتباط الحاج بهذا اليوم المبارك. السبب الأشهر أن الحجاج في الأزمنة الماضية كانوا يتروّون فيه من الماء، أي يشربون ويملؤون أوعيتهم ويحملون ما يكفيهم وإبلهم، استعداداً للوقوف الطويل بعرفة والمبيت بمزدلفة، حيث لم تكن المياه متوافرة في تلك المشاعر كما هي اليوم. فكان هذا اليوم يوم تزوّد بالماء وتجهّز للأيام التالية، فسُمي بالتروية من الريّ.
وذكر بعض العلماء سبباً آخر للتسمية، وهو أن إبراهيم عليه السلام رأى في منامه ليلة الثامن من ذي الحجة أنه يذبح ابنه، فظل نهار اليوم يتروّى ويتفكّر، أي يتأمل: أهي رؤيا من الله أم حديث نفس؟ فلما تحقق أنها من الله عزم على تنفيذها يوم عرفة. فسُمي اليوم بالتروية من التروّي بمعنى التفكّر والتأمّل. وهذا المعنى يربط يوم التروية بقصة الفداء العظيمة التي يُحييها عيد الأضحى كله.
وقيل في سبب التسمية أقوال أخرى، لكن المعنيين السابقين أشهرها وأكثرها قبولاً عند أهل العلم. وكلا المعنيين جميل: الأول يذكّر بالتجهّز والاستعداد المادي، والثاني يذكّر بالتأمل والتسليم لأمر الله. والحاج الموفّق يجمع بينهما، فيتجهّز لمناسكه ماديّاً، ويتأمل في معاني العبودية والتسليم روحيّاً.
وهنا تظهر صلة يوم التروية بقصة الفداء العظيمة التي يُحييها عيد الأضحى كله. فإبراهيم عليه السلام رأى الرؤيا ليلة الثامن، وتروّى نهار الثامن، وعزم على التنفيذ يوم عرفة (التاسع)، وهمّ بالذبح يوم النحر (العاشر) فجاءه الفداء. فهذه الأيام الثلاثة، التروية وعرفة والنحر، تروي قصة التسليم الكامل لأمر الله من بدايتها إلى ذروتها. وحين يقف الحاج يوم التروية متجهاً إلى منى، فهو يعيد إحياء خطوات هذا التسليم العظيم، ويستحضر معنى أن يسلّم العبد أمره كله لله. وهذا البعد الروحي يحوّل يوم التروية من مجرد يوم تجهّز إلى يوم تأمل في معنى العبودية الحقة.
من الناحية اللغوية، التروية مصدر من «روّى» بمعنى سقى وأشبع من الماء، أو من «تروّى» بمعنى تفكّر وتأمّل. والعرب تقول: رويت من الماء، أي شربت حتى اكتفيت. فالاسم يحمل في جذره معنى الإشباع والاكتفاء، سواء بالماء أو بالتأمل. وهكذا يحمل اسم يوم التروية دلالة الاستعداد الكامل لما هو آت، وهو يوم عرفة العظيم. ولفهم الفضل العام لهذه الأيام راجع دليل فضل عشر ذي الحجة الذي يوضح مكانة العشر الأوائل من ذي الحجة عند الله.
موقع يوم التروية في تسلسل مناسك الحج
لفهم يوم التروية حق الفهم، ينبغي وضعه في موقعه من خريطة مناسك الحج الكاملة. الحج يمتد عملياً من اليوم الثامن إلى الثالث عشر من ذي الحجة، أي ستة أيام، يوم التروية أولها. وإليك التسلسل الكامل لتعرف موقع هذا اليوم:
اليوم الأول، 8 ذو الحجة (يوم التروية، الجمعة 14 مايو 2027): يُحرم الحجاج بالحج ويتوجهون إلى منى ويبيتون بها. هو يوم التجهّز والانطلاق.
اليوم الثاني، 9 ذو الحجة (يوم عرفة، السبت 15 مايو 2027): الركن الأعظم للحج، يقف فيه الحجاج على صعيد عرفة من الزوال إلى الغروب، ثم يدفعون إلى مزدلفة. من فاته الوقوف بعرفة فاته الحج.
اليوم الثالث، 10 ذو الحجة (يوم النحر، عيد الأضحى، الأحد 16 مايو 2027): يرمي الحجاج جمرة العقبة، وينحرون الهدي، ويحلقون أو يقصّرون، ويطوفون طواف الإفاضة. هو يوم العيد ويوم الحج الأكبر.
الأيام الرابع إلى السادس، 11 و12 و13 ذو الحجة (أيام التشريق): يبيت الحجاج بمنى ويرمون الجمرات الثلاث كل يوم بعد الزوال، ومن تعجّل خرج في الثاني عشر.
يتضح من هذا التسلسل أن يوم التروية هو البوابة التي يدخل منها الحاج إلى رحلة المناسك. فيه ينتقل من حال الاستعداد إلى حال الشروع الفعلي، ويبدأ شعوره بأنه صار في قلب الحج لا على أعتابه. ولذلك له في نفوس الحجاج وقع خاص، إذ هو أول يوم يلبس فيه المتمتع إحرام الحج بعد أن تحلل من عمرته. ولفهم كل منسك على حدة بالتفصيل راجع دليل مناسك الحج خطوة بخطوة، ولترتيب أمتعتك لهذه الأيام استعن بـحاسبة قائمة تجهيزات الحج التي تساعدك على عدم نسيان ما تحتاجه.
أعمال الحاج في يوم التروية بالترتيب
يوم التروية له أعمال محددة يؤديها الحاج بالترتيب، اقتداءً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في حجته كما رواه جابر بن عبد الله في صحيح مسلم. وإليك هذه الأعمال مفصلة:
أولاً، الإحرام بالحج. الحاج المتمتع (الذي أدى عمرته أولاً وتحلل منها) يُحرم بالحج من مكانه في مكة صباح يوم التروية قبل الزوال، فيغتسل ويتطيب ويلبس ثوبي الإحرام وينوي الحج قائلاً «لبيك اللهم حجاً». أما الحاج القارن والمفرد فهما باقيان على إحرامهما الأول ولا يحتاجان إلى إحرام جديد. والمرأة تُحرم في ملابسها الشرعية المعتادة دون كشف وجه أو لبس قفازين.
ثانياً، التوجه إلى منى. بعد الإحرام يتوجه الحاج إلى منى، وهي المشعر القريب من مكة المكرمة. والسنة أن يصل إليها قبل الظهر ليصلي بها صلاة الظهر في وقتها. ومنى اليوم مدينة خيام منظمة مكيّفة تستقبل ملايين الحجاج كل عام.
ثالثاً، الصلاة في منى. يصلي الحاج في منى خمس صلوات: الظهر والعصر والمغرب والعشاء يوم التروية، ثم الفجر صباح يوم عرفة. والسنة قصر الصلاة الرباعية (الظهر والعصر والعشاء) إلى ركعتين، دون جمع بين الصلاتين. فيصلي كل صلاة في وقتها مقصورة، اتباعاً لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
رابعاً، المبيت بمنى. يبيت الحاج بمنى ليلة التاسع (ليلة عرفة)، وهو سنة عند جمهور العلماء كما سبق. يقضيها في ذكر الله والتلبية والدعاء والاستعداد ليوم عرفة العظيم.
خامساً، الإكثار من التلبية. يكثر الحاج طوال يوم التروية من التلبية: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك». فالتلبية شعار الحج الذي يرفع به الحاج صوته إجابة لنداء الله. وبهذه الأعمال يكون الحاج قد أدى يوم التروية على هدي النبي صلى الله عليه وسلم، واستعد لليوم الأعظم. ولمعرفة تكاليف هذه الرحلة وتخطيطها مالياً راجع حاسبة تكلفة الحج.
فضل يوم التروية والعشر الأوائل من ذي الحجة
يوم التروية واحد من أيام العشر الأوائل من ذي الحجة، وهي من أعظم أيام السنة عند الله. ففي الحديث الذي رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر». قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء». فهذا الحديث يبيّن عظيم فضل العمل الصالح في هذه الأيام التي يوم التروية منها.
فما الأعمال التي يُستحب الإكثار منها في يوم التروية وأخواته من العشر؟ أولها الصيام لغير الحاج، فصيام هذه الأيام من أفضل العبادات، وأفضلها يوم عرفة. وثانيها الذكر، فقد ورد الحث على الإكثار من التهليل والتكبير والتحميد في هذه الأيام. وثالثها الصدقة وقراءة القرآن وسائر أبواب الخير. ورابعها بالنسبة للحاج أداء المناسك على هديها النبوي.
وميزة هذه الأيام أنها تجمع أمهات العبادات: الصلاة والصيام والصدقة والحج، ما لا يجتمع في غيرها. ولذلك كان السلف الصالح يجتهدون فيها اجتهاداً عظيماً، ويرون أن العمل فيها أفضل من العمل في أيام أخرى ولو كانت أكثر، لشرف الزمان. فمن وُفّق لاغتنام يوم التروية وأخواته بالطاعة فقد ظفر بخير كثير.
وينبغي للمسلم غير الحاج أن يستشعر في هذه الأيام معاني الحج وإن لم يكن حاجّاً، فيشارك الحجاج روحهم بالتكبير والذكر والصيام، ويتطلع إلى أن يرزقه الله الحج في عام قادم. وهذا التشوّق عبادة في ذاته. ولفهم الفضل الكامل لهذه الأيام وأعمالها المستحبة راجع دليل فضل عشر ذي الحجة، ولمعرفة موعد صلاة العيد الذي يختم هذه الأيام راجع مواقيت صلاة عيد الأضحى لكل مدينة.
حكم صيام يوم التروية لغير الحاج
صيام يوم التروية مسألة يكثر السؤال عنها، وإليك بيانها وفق ما عليه جمهور العلماء. يُستحب لغير الحاج صيام يوم التروية (8 ذو الحجة)، كما يُستحب صيام جميع الأيام التسع الأولى من ذي الحجة، لدخولها في عموم فضل العمل الصالح في هذه الأيام المذكور في حديث ابن عباس المتقدم. فمن صام يوم التروية فقد أحسن، ومن صام معه باقي الأيام التسع فقد أصاب خيراً كثيراً.
لكن ينبغي التنبيه إلى أمر مهم: أفضل أيام العشر صياماً هو يوم عرفة (9 ذو الحجة)، فصيامه لغير الحاج سنة مؤكدة يُكفّر سنة ماضية وأخرى باقية، كما في الحديث الذي رواه مسلم. فمن لم يستطع صيام الأيام كلها فليحرص على صيام يوم عرفة على الأقل، فهو أعظمها أجراً.
وهل ورد فضل خاص بصيام يوم التروية بعينه؟ لم يثبت في صيام يوم التروية وحده حديث خاص صحيح صريح يخصّه بفضل منفرد، لكنه يدخل في عموم فضل صيام أيام العشر، وهذا كافٍ في استحبابه. فمن صامه ينوي الأجر العام لصيام العشر، لا أجراً خاصاً بدليل خاص. وهذا من دقة العلم: نثبت العام بدليله، ولا نخصّ يوماً بفضيلة لم يأت بها دليل صحيح صريح.
أما الحاج فالأفضل في حقه أن يفطر يوم عرفة ليتقوى على الدعاء والذكر في ذلك اليوم العظيم، اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي وقف بعرفة مفطراً. وأما يوم التروية للحاج فلا حرج في صيامه أو فطره، والأمر فيه واسع، والأرجح أن انشغاله بالمناسك والاستعداد قد يجعل الفطر أيسر له. وبهذا يتبين أن صيام يوم التروية مستحب لغير الحاج ضمن صيام العشر، وأن يوم عرفة هو الأهم. ولمتابعة التواريخ بدقة ومعرفة ما يقابلها ميلادياً استخدم محوّل التاريخ الهجري.
نصائح عملية للحاج وغير الحاج في يوم التروية
نختم بخلاصة نصائح عملية تنفع الحاج وغير الحاج في الانتفاع بيوم التروية. أما الحاج فإليه هذه التوجيهات:
استعد للزحام بصبر. منى يوم التروية تستقبل ملايين الحجاج في وقت واحد، فالزحام طبيعي. تحلَّ بالصبر وحسن الخلق، وتذكّر أن الرفق بالناس من تمام الحج. لا تزاحم ولا تؤذِ، فالمناسك عبادة لا مجال فيها للأنانية.
احفظ قوّتك ليوم عرفة. لا تُرهق نفسك يوم التروية بما يضعفك عن يوم عرفة الأعظم. اشرب الماء بكفاية، وتناول طعاماً صحياً مناسباً، ونم قسطاً كافياً ليلة عرفة، حتى تقف يوم عرفة بقوة وحضور قلب وذهن صافٍ. كثير من الحجاج يجهدون أنفسهم مبكراً فيصلون إلى عرفة منهكين عاجزين عن الدعاء.
أكثر من التلبية والذكر. اجعل لسانك رطباً بالتلبية والذكر، فهذه الأيام أيام عبادة لا أيام لهو. كل لحظة في الحج مغتنمة، فلا تضيّعها في فضول الكلام أو الانشغال بالهاتف.
أما غير الحاج فإليه هذه النصائح: احرص على صيام يوم التروية ضمن صيام العشر إن استطعت، وأكثر من الذكر والتكبير، وتصدّق بما تيسّر، واقرأ من القرآن وردك. واستشعر معاني الحج وأنت في بيتك، وادعُ الله أن يرزقك الحج. واغتنم هذه الأيام فهي فرصة لا تتكرر إلا مرة في العام.
وللجميع: استحضر النية الصالحة في كل عمل، فالأعمال بالنيات. واجعل من يوم التروية بداية لانطلاقة روحية تستمر معك عبر يوم عرفة والعيد وأيام التشريق. وتذكّر أن هذه الأيام المباركة منحة من الله، فاشكره عليها باغتنامها. وإن كنت تخطط لحج قادم فابدأ الإعداد المالي مبكراً عبر حاسبة تكلفة الحج، وتابع موعد الموسم عبر عداد عيد الأضحى التنازلي. وبهذا تكون قد عرفت يوم التروية حق المعرفة، وانتفعت به حق الانتفاع، حاجّاً كنت أو غير حاج.
منى يوم التروية: كيف تطورت خدمات المشعر؟
منى التي يتوجه إليها الحاج يوم التروية تختلف اليوم اختلافاً كبيراً عما كانت عليه في الأزمنة الماضية، حين سُمي اليوم بالتروية لحاجة الحجاج إلى حمل الماء. فقد شهدت منى ومشاعر الحج تطوراً هائلاً في الخدمات والبنية التحتية على مدى العقود الماضية.
منى اليوم مدينة خيام منظمة مكيّفة تستقبل ملايين الحجاج، مزودة بشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي ودورات المياه ومراكز الخدمات الطبية. فلم يعد الحاج يحتاج إلى حمل الماء كما كان أسلافه يفعلون، إذ المياه متوافرة بوفرة في كل مكان. ومع ذلك يبقى اسم يوم التروية شاهداً على تاريخ المنسك ومعناه الأصيل.
كما تطورت وسائل النقل بين المشاعر تطوراً كبيراً، فصار قطار المشاعر المقدسة ينقل مئات الآلاف بين منى وعرفة ومزدلفة بكفاءة عالية، إضافة إلى أساطيل الحافلات المنظمة. وهذا يخفف الزحام ويسهّل تنقّل الحجاج، خاصة كبار السن والضعفة.
وتشرف الجهات المختصة في المملكة العربية السعودية على تنظيم دخول الحجاج إلى منى يوم التروية وفق جداول دقيقة تراعي السلامة وانسياب الحركة. فعلى الحاج أن يلتزم بتعليمات حملته والجهات المنظمة، ولا يتصرف بشكل فردي قد يسبب الزحام أو الخطر. هذا الالتزام جزء من حسن أداء المنسك. ورغم كل هذا التطور في الخدمات، يبقى جوهر يوم التروية ثابتاً: استعداد روحي ومادي لأعظم أيام الحج. فاجمع بين الانتفاع بالخدمات الحديثة والحفاظ على روح العبادة. ولتقدير تكاليف رحلتك في ظل هذه الخدمات راجع حاسبة تكلفة الحج، ولترتيب أمتعتك استعن بـحاسبة قائمة تجهيزات الحج.
أخطاء شائعة يقع فيها الحجاج يوم التروية
ينبغي للحاج أن يتجنب أخطاء يقع فيها كثيرون يوم التروية، تنقص أجره أو تخالف السنة. ومن أبرزها:
الخطأ الأول: ترك المبيت بمنى ليلة عرفة بحجة الزحام أو الراحة. صحيح أن المبيت بمنى ليلة التاسع سنة لا واجب عند الجمهور، لكن تركه دون عذر تفويت لخير عظيم ومخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم. فلا تتركه إلا لعذر حقيقي.
الخطأ الثاني: الجمع بين الصلاتين في منى. السنة في منى قصر الصلاة الرباعية دون جمع، فيصلي كل صلاة في وقتها مقصورة. وبعض الحجاج يجمعون جهلاً، وهذا خلاف هديه صلى الله عليه وسلم الذي قصر بمنى ولم يجمع.
الخطأ الثالث: الانشغال عن التلبية والذكر. بعض الحجاج يقضون يوم التروية في الأحاديث الجانبية أو تصوير المشاهد دون ذكر، فيفوّتون روح المنسك. التلبية شعار الحج، فأكثر منها.
الخطأ الرابع: التهاون في الإحرام أو نسيان النية. الحاج المتمتع يجب أن يُحرم بالحج يوم التروية وينوي. وبعضهم يتوجه إلى منى دون أن يُحرم بالحج، فيقع في خلل. تأكد من إحرامك ونيتك قبل التوجه.
الخطأ الخامس: إرهاق النفس بما يضعفها عن عرفة. الحج ماراثون لا سباق قصير، فمن أجهد نفسه يوم التروية قد يعجز يوم عرفة. وازن بين الاجتهاد والحفاظ على القوة.
الخطأ السادس: الجدال والخصام في الزحام. قال الله تعالى عن الحج «فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج». فمن وقع في خصام أو سباب بسبب الزحام فقد نقص من كمال حجه. فاحفظ لسانك وخلقك، وتذكّر أن الصبر على أذى الناس في الزحام من تمام العبادة. تجنّب هذه الأخطاء يجعل حجك أقرب إلى الكمال وأوفر أجراً. ولمراجعة المناسك كاملة بترتيبها الصحيح راجع دليل مناسك الحج خطوة بخطوة.
يوم التروية للمرأة الحاجّة: أحكام خاصة
للمرأة الحاجّة في يوم التروية أحكام تخصها ينبغي بيانها، فالحج فريضة على المرأة المستطيعة كالرجل، لكن لطبيعتها أحكاماً تتعلق بالإحرام والمناسك.
أولاً، إحرام المرأة. تُحرم المرأة يوم التروية بالحج (إن كانت متمتعة) في ملابسها الشرعية المعتادة، فليس لها لباس إحرام مخصوص كالرجل. لكنها تتجنب لبس النقاب (ما يُفصّل على الوجه) والقفازين حال الإحرام، وتستر وجهها بسدل الخمار عند مرور الرجال الأجانب دون أن يكون ملاصقاً مفصّلاً على الوجه. وهذا قول جمهور العلماء.
ثانياً، الحائض والنفساء. إذا حاضت المرأة أو نفست قبل يوم التروية أو فيه، فإنها تُحرم بالحج وتؤدي جميع المناسك كالطاهرة، إلا الطواف بالبيت فتؤخره حتى تطهر. فالحيض لا يمنع الإحرام ولا الوقوف بعرفة ولا المبيت بمنى ولا رمي الجمرات، إنما يمنع الطواف فقط. فلا تتردد الحائض في الإحرام يوم التروية والتوجه إلى منى.
ثالثاً، المحرم. اشترط جمهور العلماء وجود المحرم للمرأة في سفر الحج، وأفتت الجهات الرسمية في معظم دول الخليج باشتراطه، مع وجود تنظيمات معاصرة في بعض الحالات. فعلى المرأة التأكد من ترتيب هذا الأمر قبل الموسم.
رابعاً، الرفق بالمرأة في الزحام. يُستحب للمحرم وللمنظمين الرفق بالنساء في زحام منى يوم التروية، وتيسير تنقّلهن، فالنبي صلى الله عليه وسلم أرخص للضعفة من النساء في بعض الأمور تيسيراً عليهن. وبهذا تؤدي المرأة يوم التروية ومناسك الحج كاملة مع مراعاة أحكامها الخاصة. ولترتيب ما تحتاجه المرأة الحاجّة من تجهيزات راجع حاسبة قائمة تجهيزات الحج.
كيف يربط يوم التروية بين الحاج وغير الحاج؟
من جمال شعائر الإسلام أن عيد الأضحى وموسم الحج يجمعان بين من يحج فعلاً ومن لم يحج، في وحدة روحية عجيبة. ويوم التروية نموذج لهذا الترابط، فبينما يبدأ الحجاج مناسكهم في منى، يشاركهم المسلمون في كل مكان روحهم بأعمال موازية.
غير الحاج يوم التروية يصوم إن استطاع، ويكثر من التكبير والتهليل، ويتصدق، ويقرأ القرآن، فيعيش معاني الحج وإن لم يكن في مكة. وهذا التوازي بين عبادة الحاج وغير الحاج في وقت واحد يصنع شعوراً جماعياً بالأمة الواحدة المتوجهة إلى ربها في زمن واحد. فالأمة كلها في هذه الأيام في حال عبادة، بعضها في المشاعر وبعضها في البيوت والمساجد.
وفي هذا الترابط حكمة تربوية عظيمة: أن من لم يُكتب له الحج هذا العام لا يُحرم بركة الأيام، بل يُشرَع له من العبادات ما يقربه من أجر الحجاج. ولذلك ينبغي لغير الحاج ألا يشعر بالحرمان، بل يجتهد في عبادته فيشارك القافلة من بعيد. وكثير من العلماء ذكروا أن العبادة في هذه الأيام لغير الحاج من أحب الأعمال إلى الله، كما في حديث ابن عباس.
وهذا الترابط يمتد إلى الدعاء أيضاً، فيستحب لغير الحاج أن يدعو لإخوانه الحجاج بالقبول والتيسير، وأن يدعو لنفسه بأن يبلّغه الله الحج. والدعاء في هذه الأيام مرجوّ الإجابة، خاصة يوم عرفة. فكما يرفع الحاج يديه على صعيد عرفة، يرفع غير الحاج يديه في بيته، فتلتقي الأيدي في السماء وإن تباعدت في الأرض. وهذا معنى يملأ القلب طمأنينة وأنساً بالأمة.
ثم يأتي يوم العيد فيجتمع الجميع: الحاج ينحر هديه في منى، وغير الحاج يذبح أضحيته في بلده، فيتوحد الفعل وإن اختلف المكان. وهذا من أبدع مظاهر وحدة الأمة في عبادتها. فيوم التروية بداية رحلة روحية يشترك فيها المسلمون جميعاً، كلٌّ بحسب حاله. ولفهم شعيرة الأضحية التي تجمع الحاج وغير الحاج راجع دليل أحكام الأضحية، ولمعرفة الحصص وتوزيعها استخدم حاسبة الأضحية. وبهذا الترابط الجميل تكون قد فهمت يوم التروية ليس كحدث للحجاج وحدهم، بل كمحطة روحية للأمة كلها.